إخوان الصفاء
63
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
واعلم يا أخي بأن معنى السماء في لغة العرب هو كلّ ما علا الرؤوس ، وأن المطر إنما ينزل من السّحاب ، والسّحاب يسمّى سماء لارتفاعها في الجو ، ويسمّى أيضا السّحاب جبالا لتراكمه بعضه فوق بعض ، كتراكم أركان الجبال وركود أطوادها بعضها فوق بعض ، كما يرى ذلك في أيام الربيع والخريف كأنها جبال من قطن مندوف متراكم بعضه فوق بعض . فصل في ماهية الطبيعة كان الذين يتكلمون في الحوادث الكائنات ، التي دون فلك القمر ، من الحكماء والفلاسفة ، ينسبون هذه الآثار والأفعال كلّها إلى الطبيعة ؛ وكما أن أقواما من العلماء ينكرون أفعالها ، وينكرون الطبيعة أيضا أصلا ، احتجنا أن نذكر معنى قولهم : الطبيعة ، ونبيّن أن الذين أنكروا أفعالها ذهب عليهم معنى الطبيعة ، ولم يعرفوها ، فمن ذلك أنكروا أفعالها . واعلم يا أخي ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، أن الطبيعة إنما هي قوّة من قوى النفس الكليّة ، منبثّة منها في جميع الأجسام التي دون فلك القمر ، سارية في جميع أجزائها كلّها ، تسمّى باللفظ الشرعيّ الملائكة الموكّلين بحفظ العالم وتدبير الخليقة ، بإذن اللّه ، وتسمّى باللفظ الفلسفي قوى طبيعيّة ، وهي فاعلة في هذه الأجسام بإذن الباري ، جلّ ثناؤه . والذين أنكروا فعل الطبيعة إنما ذهب عليهم معنى هذه التسمية ، وظنّوا أنها متوجّهة نحو الجسم ، والجسم ، من حيث هو جسم ، لا فعل له البتّة بالإجماع من الفريقين ، بدلائل قد صحّت وبراهين قد قامت . واعلم يا أخي بأن الذين أنكروا فعل الطبيعة يقولون إنه لا يصحّ الفعل إلا من حيّ قادر ، وهو قول صحيح ، ولكن يظنّون أن الحيّ القادر لا يكون إلا بجسم ، إذا كان على هيئة مخصوصة بأعراض تحلّه بزعمهم ،